اسماعيل بن محمد القونوي

342

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

لأنه لا وعد في هذه الآية بالغنى وهم غير متزوجين إذ الإغناء هنا ذكر بطريق الغاية ولا يفهم منه الوعد ولذا قال عليه السّلام : اطلبوا الغنى الحديث والاستقراء شاهد عليه ومدعي الآباء ذهل عنهما ولو سلم أن في هذه الآية وعد أيضا لكن المراد بالوعد هنا الإغناء بما يقدر على النكاح كالمهر والنفقة والمراد بالوعد هناك السعة في المال والترفه بأنواع النوال لا القدرة على أسباب النكاح فإن القدرة على ذلك معتبر فيه بقرينة قوله : وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ [ النور : 33 ] الآية وبهذا البيان يندفع توهم المنافاة بين الآيتين فالوعد الذي اشتبه للمتزوجين دون غيرهم غير الوعد لغير المتزوجين فتدبر حتى يظهر لك الظفر . قوله : ( ذو سعة لا تنفد نعمته ) أي واسع صيغة النسبة وحاصله واسع الفضائل والنعم ولا يصح إرادة معنى اسم الفاعل . قوله : ( إذ لا تنتهي قدرته ) على كل ممكن لا سيما على إيجاد النعمة فلا يتناهى عطاؤه وكرمه والمراد عدم تناهيها بالقوة « 1 » بمعنى لا تقف عند حد . قوله : ( يبسط الرزق ويقدر على ما يقتضيه حكمته ) يبسط الرزق أي يوسعه على من يشاء توسيع رزقه ويقدر أي يضيقه لمن يشاء تضييق رزقه على ما يقتضيه حكمته لا لخصائص في الأشخاص ألا يرى أنه يختلف فيه الأشخاص المتماثلة في الصفات والخصائص وأيضا يختلف فيه شخص واحد باعتبار وقتين وأشار المص إلى أن قوله : عَلِيمٌ [ البقرة : 115 ] تكميل واحتراس لقوله : واسِعٌ [ البقرة : 115 ] إذ مقتضى السعة بناء على ظاهره أن لا يضيق على أحد فدفعه بقوله عليم ونبه به على أن توسيعه بمشيئته بمقتضى علمه بأحوال الناس ومقتضى الحكمة في البعض تضييق رزقه فيضيق رزقه . قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 33 ] وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 33 ) قوله : ( وليجتهد في العفة وقمع الشهوانية ) في العفة وهي نتيجة تهذيب القوة الشهوانية والمراد بها هنا قمع الشهوة وكسرها بملازمة الجوع والصوم مثلا ولذا قال وقمع الشهوانية وإلا فالنكاح لا ينافي العفة « 2 » بل هو من أسبابها والمعنى وليجهد في العفة والاحتراز عن وقوع الفتنة فلا يتزوج حتى يغنيهم اللّه من فضله « 3 » قوله وليجهد إشارة إلى

--> ( 1 ) هذا مذهب بعض الأشاعرة وأما عندنا فعدم تناهي تعلقات القدرة بالفعل إذ تعلقاتها كلها قديمة عندنا وعند بعض الأشاعرة كما صرح به الفاضل الخيالي . ( 2 ) إذ العفة استيفاء المشتهيات بوجه شرعي والتزوج من هذا القبيل . ( 3 ) فيه إشارة إلى أن الغاية غاية لعدم التزوج المنفهم من الكلام .